فخر الدين الرازي

85

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

يقرب من الحق لكن الحق بفضله وكرمه يقرب إحسانه منه . فلهذا قال « فَإِنِّي قَرِيبٌ » ورابعها : أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير اللّه فإنه لا يكون دعاؤه خالصا لوجه اللّه ، فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقا في معرفة الأحد الحق امتنع أن يبقى بينه وبين الحق وساطة وذلك هو معنى القرب ، فلذلك قال سبحانه وتعالى « فَإِنِّي قَرِيبٌ » . الحجة الثانية : قوله تعالى « وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » « 1 » وفي هذه الآية كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم اللّه تفضيلا عظيما فقال في حقهم « وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » « 2 » وقال أيضا « وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ » « 3 » تم مع هذه الدرجة العظيمة « قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ » « 4 » وقال الحواريون مع غاية جلالتهم وقولهم « نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ » « 5 » لعيسى عليه السلام « هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ » « 6 » تم إنه رفع هذه الوساطة عن هذه الأمة وقال مخاطبا لهم « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » وقال « وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ » « 7 » فإن قيل قوله « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » وعد من اللّه تعالى فيلزم الوفاء به ولا يجوز وقوع الخلف فيه ، ثم إنا نرى الداعي يدعو فلا يجبه الرب تعالى ، وكذا هذا السؤال وارد على قوله تعالى « أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ » « 8 » فالجواب هذا وإن كان مطلقا في اللفظ إلا أنه مقيد ، فإنه إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء ؛ وقد قيل أيضا أن الداعي يعوض من دعائه عوضا ما ، فربما كان

--> ( 1 ) جزء من الآية 60 من سورة غافر . ( 2 ) جزء من الآيتين 47 ، 122 من سورة البقرة . ( 3 ) جزء من الآية 20 من سورة المائدة . ( 4 ) جزء من الآيتين 68 ، 69 من سورة البقرة . ( 5 ) جزء من الآية 52 من سورة آل عمران ، 14 من سورة الصف . ( 6 ) جزء من الآية 112 من سورة المائدة . ( 7 ) جزء من الآية 32 من سورة النساء . ( 8 ) جزء من الآية 62 من سورة النمل .